عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

277

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

وأسود الرعود تزمجر في غابات الديم ، فتطلب مطرا تأوي إليه من القطر ؛ ليقدح لروحه من زند الظلام شررا ، ويطلب من أكناف الوادي المقدس نار هدى ، والغرام غريم سره ، والوجد نديم روحه ، والشوق سمير رقاده ، والتوق جليس فؤاده ، والهوى حشو صدره ، فلاح له النور في معرض النار ، نصب لاصطياد طائر روحه شباك ، إني أنا اللّه رأى سطرا من سطور لوح القدرة ، تجلّت على روحه سمعته الطيور ، وقعت رجل عقله في شرك أني آنس أفرغ في كأس سمعه إلى صرف شراب : لا إله إلا أنا ، أسكره بإدامة شرب مدامي وكلمه ، دبّت فيه نشوات الشوق ، وطمحت به طوامح أمواج بحار الوله ، غلب على قلبه هيمان العشق ، حرقت لذة التكليم ما قد سمعه ، حتى وصلت إلى بصره ، فطلب البصر بعينه من النظر ، ووافقه توق القلب ، وقال : رب أرني أنظر إليك ، قيل : يا موسى ، انظر أولا إلى مرآة الجبل ، وحك الذهب بسابك على محك ، فإن استقر اعتبر سكونك عن حركة الصخور لهيبة تجلي ، فمادت به أجزاء الطور عند إشراق لمعان ذلك النور ، وتعطّرت أشجار الوادي المقدس بنسيم القرب ، وأرجت رياض البقعة المباركة ببهجة وقت الوصل ، وصارت هضبات الطور حدائق لأجل التجلّي ، وامتلأت جنباته بالملائكة استعظاما لقوله : أَرِنِي [ البقرة : 260 ] ، وقامت أرواح الأنبياء تترصّد ما يكون . سمع كلاما ككلام البشر خاطبه من ليس من جنس المحدثات ، نودي من جميع آفاق الوجود ، صارت جملته سمعا وبصرا ، فتلفّت بعين سره إلى الطور ، وقع شعاع نور عين عقله على أجزاء الجبل ، انعكست أشعة المتقادحات ، برق بصر الحس ، ذهلت عين الفكر ، خرس لسان الطبع ، انقطعت أسباب الحواس . قرأ لسان حال موسى : وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ [ طه : 108 ] . قال : المخبر عن صدق طلبه : وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً [ الأعراف : 143 ] . قال : يا موسى صعقت طبيعتك ضعيفة عن تناول شراب التجلّي ، شق عينيك ضيق عن مقابلة أنوار سبحات ، أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] ، عين الحدث لا تنفتح في شعاع شمس القدم ، ورد النظر لا يطلع شجر كانون هذا الكون :